30/07/2026
كتب عمر الحاج الباحث في شؤون السياحه والتراث السوداني
مقال موجع جداً. اللهم دمر الجنجويد عن بكرة أبيهم ومن عاونهم ولو بكلمة. وان شاء الله منصورين بإذن الواحد الأحد.
تستخدم قوات الدعم السريع الكنوز الآثارية المنهوبة من متاحف السودان لتمويل حربها ضد الدولة والشعب السوداني
في مساء يوم الخميس من شهر أبريل/نيسان 2023، وقبل يومين من اندلاع الحرب الأهلية في السودان، غادر عبد الحي عبد الصاوي مكتبه في المتحف القومي السوداني، حيث يشغل منصب مدير إدارة الاكتشافات الأثرية.
وقبل مغادرته، ألقى نظرة اعتيادية على المعروضات في قاعة الآثار. ولم يكن يعلم أنها ستكون المرة الأخيرة التي يراها فيها. ففي عطلة نهاية ذلك الأسبوع، اندلعت اشتباكات بالقرب من المتحف بين القوات المسلحة السودانية وقوة شبه عسكرية تُعرف باسم قوات الدعم السريع (RSF).
وسرعان ما بدأت قوات الدعم السريع بنشر قناصة على سطح المتحف، قبل أن يقتحم مقاتلوها المبنى بالقوة. وهناك عثروا على تماثيل صغيرة من الذهب الخالص، وأحجار كريمة، وفخار وجداريات قديمة، ومومياوات يعود عمرها إلى أربعة آلاف عام، وأدوات من العصر الحجري. وكان المتحف يخضع لأعمال ترميم، وكانت العديد من المجموعات الأثرية مرتبة بعناية داخل صناديق في غرفة للتخزين، وكأنها مُعدة سلفًا ليحملها اللصوص بعيدًا.
لماذا كتبنا هذا التقرير؟
بعد ثلاث سنوات من الحرب، أصبحت متاحف السودان في حالة خراب، لكن رحلة البحث عن آلاف القطع الأثرية المسروقة لم تبدأ إلا الآن.
خلال السنوات الثلاث الماضية، امتد الصراع الذي بدأ على أعتاب المتحف القومي ليشمل معظم أنحاء السودان، فيما وجد المدنيون أنفسهم عالقين وسط نيران الحرب. فقد اضطر نحو 14 مليون شخص إلى الفرار من منازلهم، بينما يواجه 20 مليونًا، أي واحدًا من كل ثلاثة سودانيين، خطر المجاعة.
وفي خضم هذا الصراع الوحشي، نهبت قوات الدعم السريع ولصوص آخرون ما لا يقل عن 20 متحفًا سودانيًا، واستولوا على أكثر من 8,000 قطعة أثرية تُقدّر قيمتها بنحو 150 مليون دولار، وفقًا للهيئة القومية للآثار والمتاحف في السودان.
واليوم، بدأ السباق لاستعادة القطع الأثرية المسروقة، ولم تعد المخاطر تقتصر على الخسائر المالية فحسب.
يقول عبد الحي عبد الصاوي: «إن القطع الأثرية ليست مجرد معروضات متحفية، بل هي الدليل المادي على تاريخ السودان وحضاراته المتعاقبة. وعندما تُنهب أو تُدمّر، فإننا لا نفقد مجرد مقتنيات أثرية، بل نفقد أيضًا أجزاءً من ذاكرتنا الجماعية وهويتنا الثقافية.»
سرقة الذاكرة الحضارية
يقول محققو الأمم المتحدة إن قوات الدعم السريع تقوم بتهريب القطع الأثرية التي تسرقها عبر حدود السودان، ثم تبيعها لعصابات إجرامية دولية وتجار فنون. وقد ظهرت بعض هذه القطع حتى على موقع eBay. وتُستخدم عائدات هذه المبيعات في تمويل العمليات العسكرية التي وصفتها منظمة العفو الدولية مؤخرًا بأنها «وصمة عار على ضمير الإنسانية».
وتغطي القطع الأثرية المسروقة آلاف السنين من تاريخ السودان. ومن بين المعروضات التي شاهدها عبد الصاوي قبل مغادرته المتحف في أبريل/نيسان 2023 مجموعة من تماثيل الأوشابتي. وهذه التماثيل الحجرية الصغيرة ذات الأذرع المتقاطعة كانت توضع في مقابر ملوك مملكة كوش، الذين يُعرفون غالبًا باسم «الفراعنة السود»، والذين حكموا مساحة واسعة من السودان ومصر خلال القرنين الثامن والسابع قبل الميلاد. وكان يُعتقد أن تماثيل الأوشابتي ترافق الملوك في الحياة الآخرة لتؤدي عنهم الأعمال اليدوية والزراعية.
التمثال الوحيد الذي نجا من السرقة، ويجسد أحد ملوك كوش من الأسرة الكوشية الخامسة والعشرين، ويعود إلى القرن السابع قبل الميلاد، يقف داخل المتحف القومي في الخرطوم، السودان، في 15 يونيو/حزيران 2026.
عندما تمكن الجيش السوداني من إخراج قوات الدعم السريع من الخرطوم في مارس/آذار 2025، عاد عبد الحي عبد الصاوي وزملاؤه إلى المتحف، ليكتشفوا أن تماثيل الأوشابتي، إلى جانب آلاف القطع الأثرية الثمينة الأخرى، قد اختفت.
وكانت المشاهد التي استقبلتهم قاتمة؛ فقد حُطمت خزائن العرض، وأُفرغت قاعات المعارض من محتوياتها. وتناثرت على الأرض فوارغ الذخيرة المستعملة، إلى جانب أدوات طهي وملابس تركها المقاتلون الذين كانوا يحتلون المبنى.
وبحسب مسؤولي المتحف، فقد فُقد نحو 60% من مقتنيات المتحف.
ما فُقد وما استُعيد
لكن سلطات المتحف كانت مصممة على ألا تكون تلك نهاية القصة.
فعندما اندلعت الحرب، بدأ المحققون السودانيون المتخصصون في تتبع سرقة الآثار، إلى جانب مسؤولين من الإنتربول ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، بتوجيه اهتمامهم سريعًا إلى عمليات نهب متاحف البلاد.
ويقول الخبراء إن العديد من القطع التي سرقتها قوات الدعم السريع وغيرها من العصابات سلكت طرق تهريب معروفة عبر إقليم دارفور غربي السودان، ثم إلى تشاد وجنوب السودان المجاورتين، حيث سرعان ما اختفت في السوق السوداء.
ويُعتقد اليوم أن العديد من القطع الأثرية يجري تداولها بصورة غير مشروعة، لكن «حتى الآن، لم تصل القطع الأثرية التي نهبتها قوات الدعم السريع إلى دور المزادات العالمية»، بحسب إخلاص عبد اللطيف، مديرة إدارة المتاحف بالهيئة القومية السودانية للآثار والمتاحف.
ومع ذلك، فقد ظهرت بعض القطع من جديد. ففي يناير/كانون الثاني، أعلنت الحكومة السودانية أنها استعادت 570 قطعة أثرية سُرقت من متاحف البلاد خلال الحرب، من بينها عشرات تماثيل الأوشابتي، وهي التماثيل الجنائزية لملوك كوش التي رآها عبد الحي عبد الصاوي قبل مغادرته المتحف القومي في أبريل/نيسان 2023.
ولم توضح الحكومة مكان العثور على القطع الأثرية أو كيفية استعادتها، مبررة ذلك باستمرار التحقيقات المتعلقة بعمليات سرقة أخرى، إلا أن صحيفة إل باييس الإسبانية أفادت بأنها عُثر عليها داخل السودان.
ورغم أن آلاف القطع لا تزال مفقودة، ويُرجح أن معظمها أصبح خارج حدود السودان، فإن القطع التي جرى إنقاذها لا تمثل سوى جزء صغير مما فُقد. ومع ذلك، تؤكد الدكتورة إخلاص عبد اللطيف أن القيمة الرمزية لهذا الإنجاز كبيرة.
وتقول:
«لقد أعادت استعادة هذه التماثيل الأمل إلى كل من كرّس جهوده لحماية الآثار والتراث. فهي تمثل الخطوة الأولى نحو استعادة تاريخ عريق حاولت الميليشيا بكل ما أوتيت من قوة أن تسرقه وتمحوه.»
المصدر:
https://www.csmonitor.com/World/Africa/2026/0727/sudan-war-rsf-rapid-support-forces-museums-looting