08/11/2025
على ذُرى عزلة بلاد الريمي، في حضن محمية عتمة بمحافظة ذمار، ينهض حصن الحمراء كأنه نبضةٌ من قلب الزمن، يعلو فوق الغيم، متوشّحًا بوشاح الطبيعة الأخضر، يرقب الوديان من عليائه بعينٍ من مجدٍ قديم، وروحٍ لا تشيخ.
كأنّ الجبال التي تحيط به قد أقسمت أن تحرسه، وأن تبقى خاشعةً لجلال صمته، ذلك الصمت الذي يقول ما لا يُقال، ويُحدّث العابرين عن حكايات رجالٍ صاغوا من الصخر عزّتهم، ومن العرق حضارتهم، ومن الإيمان مجدهم.
يا حصن الحمراء، كم تشبه شيخًا جليلاً من زمن الكبرياء، يعتلي صهوة التاريخ، وقد لفّته الغيوم كعمامةٍ بيضاء، واصطفّت الأشجار حوله كأبناءٍ بررةٍ يستمعون لوصاياه الأخيرة.
كلُّ حجرٍ فيك شاهدُ وفاء، وكلُّ زاويةٍ منك تسكب عبق الماضي كعطرٍ لا يزول. أنت قصيدةُ وطنٍ كُتبت على جبين الأرض، ومتحفٌ مفتوحٌ للدهشة والعزة والخلود.
سلامٌ على الأوائل الذين رفعوا هذا الحصن كرايةٍ لا تنحني، وأعلوه على كتف الجبال ليكون منارةً للكرامة والعزّ والهيبة. بأيديهم سُطّر تاريخٌ لا يمحوه الغبار، وبإخلاصهم صارت الحجارة تنطق بالحكمة، والطرقات تروي عن عدالتهم وشهامتهم وتكاتفهم.
غرسوا فينا قيماً لا تذبل: العدل حين يظلم الزمان، والرحمة حين يقسو البشر، والشجاعة حين تخور العزائم.
واليوم، يأتي الأحفاد أوفياء لتلك البذور الأولى، يروونها بالحب والانتماء، ويحملون هذا الإرث كما يحمل القلب نبضه. يتمسكون بهويتهم في زمنٍ تتناسل فيه الأقنعة وتضيع فيه الملامح، فيُعيدون إلى القبيلة بهاءها، وإلى الأرض روحها، وإلى التاريخ نبضه الذي لا يخبو.
سيبقى حصن الحمراء – هذا الجبل الذي صار ذاكرة – شامخًا رغم تعاقب العصور، يهمس للطبيعة كل فجرٍ:
> “أنا مجدُ من مرّوا من هنا، وأنا أثرُ الذين أحبّوا الأرض وبنوا عليها ما يليق بالخلود.”
وهكذا، يظل الحصن شاهدًا على أن المجد الحقيقي لا يُشيَّد بالحجارة فحسب، بل بالعزائم التي لا تذوب، وبالأرواح التي تعلّمت من الجبال معنى الثبات والسمو.