18/09/2026
الحمد لله الذي جعل بيته الحرام مثابة للناس وأمناً، والصلاة والسلام على من طاف بهذا البيت وصلى في رحابه.
أيها الأحبة، هناك لحظات تُكتب في القلب بحروف من نور، لا تُنسى ما امتدّ العمر. ومن أعظم هذه اللحظات أن يقف المرء لأول مرة في صحن المطاف، وقد أُذّن للفجر، والكعبة أمامه، والسكينة تلفّ المكان،تخيلوا معي ذلك المشهد: ظلام الليل الأخير ينسحب رويداً، وأصوات المؤذنين تتعالى من كل جهة، وأنت واقف بين آلاف القلوب التي جاءت من كل أرض ولون ولسان، لا يجمعها إلا التوحيد. لا مكان لتشتت البال هنا، فالكعبة أمامك تشدّ بصرك وقلبك معاً.
حين تُقام الصلاة، وتُكبّر تكبيرة الإحرام، تشعر أن الدنيا كلها قد توقفت. لا هموم، لا أشغال، لا صخب، فقط أنت وربك، وبيته أمامك شاهد على صدق التوجه. وحين تسجد، تشعر أن جبينك يلامس أطهر بقعة على وجه الأرض تقريباً، فتفيض العين بدمع لم تعرف من أين أتى.
وبعد السلام، حين ترفع رأسك وترى نور الفجر يتسلل خلف الكعبة، وطيور الحرم تحلّق فوقها في سلام، تدرك أنك عشت لحظة لن تتكرر بذات النكهة أبداً. إنها فرحة لا تشبهها فرحة، فرحة القرب، فرحة الطهارة، فرحة أن تكون ضيفاً على الله في بيته في أشرف الأوقات.
هذه اللحظة تعلّمنا أن أعظم السعادة ليست فيما نملك، بل فيما نتصل به بقلوبنا. فمن ذاق حلاوة فجر في المطاف، عرف أن الدنيا كلها لا تساوي تلك الدقائق.
نسأل الله أن يرزقنا وإياكم دوام القرب من بيته، وأن يجعل تلك اللحظات زاداً لنا في دروب الحياة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.