04/05/2026
بين “قافلة الحرية” إلى غزة و”مشروع الحرية” في مضيق هرمز، تتكشف ازدواجية المعايير الدولية بأوضح صورها؛ ليس كشعار سياسي يُرفع، بل كواقع يُمارس حين تتقاطع القيم مع المصالح.
في غزة، حين انطلقت قوافل بحرية محمّلة بالغذاء والدواء لكسر الحصار، لم تكن تحمل سلاحًا ولا تهديدًا، بل رسالة إنسانية خالصة مفادها أن الشعوب قادرة على كسر القيود التي تفرضها السياسة. ومع ذلك، جرى التعامل معها كخطر أمني؛ هوجمت السفن، واعتُقل النشطاء، وقُدّم بعضهم للمحاكمة أمام مرأى العالم. لم تتحرك القوى الكبرى، ولم تُفعل القوانين الدولية كما ينبغي، وكأن حياة المدنيين في غزة لا ترقى لتستدعي ردًا بحجم الجريمة. بقيت الإنسانية هناك بلا مظلة حقيقية، تُستدعى في الخطابات وتُغيب في الفعل.
في المقابل، حين يتعلق الأمر بمضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، يتغير المشهد كليًا. يُطرح “مشروع الحرية” لضمان انسياب النفط، وتتحرك الأساطيل، وتُعقد التحالفات، وتُستحضر القوانين الدولية لحماية الملاحة. هنا، تصبح “الحرية” مبدأ لا يقبل التأجيل، لأن تعطّل النفط يعني اهتزاز اقتصاد الدول الصناعية، أي تهديد مباشر لمصالحها الحيوية. فجأة، يغدو العالم يقظًا، سريع الاستجابة، حازمًا في قراراته.
المفارقة ليست في اختلاف الحدثين، بل في معيار التفاعل معهما. في غزة، تُختبر القيم الإنسانية في مواجهة القوة، فتتراجع. وفي هرمز، تُختبر المصالح الاقتصادية، فتتقدم بلا تردد. وكأن العالم يقيس الأزمات بميزان الربح والخسارة، لا بميزان الحق والعدل.
هذه الازدواجية تطرح سؤالًا أخلاقيًا وسياسيًا عميقًا: هل أصبحت الإنسانية مشروطة بالمصلحة؟ وهل فقد القانون الدولي حياده حين يتعلق الأمر بالضعفاء؟ إن استمرار هذا النهج لا يهدد فقط مصداقية النظام الدولي، بل يعمّق الشعور بالظلم ويغذي الصراعات.
ما بين قافلة تُقمع لأنها تحمل الغذاء، ومشروع يُحمى لأنه يحمل النفط، تتضح الحقيقة الصعبة: العالم لا يتحرك دائمًا حين تُنتهك الكرامة الإنسانية، لكنه يتحرك سريعًا حين تُمس مصالحه. وبين هذا وذاك، تبقى غزة شاهدًا حيًا على إنسانية مؤجلة، وعدالة لم تكتمل