08/07/2026
مسار النبي صلى الله عليه وسلم بين بيته وغار ثور ليلة الهجرة
ثار جدل كثير في تحديد مسار الحبيب الأعظم والنبي الأكرم صلى الله عليه وسلم بين بيته الميمون وغار ثور المصون..
وبالمختصر لقد أخطأ من جعل مساره عبر ثنية كُدَي، لأنه لا توجد روايات صحيحة ولا ضعيفة تشهد لهذا الرأي ولا حتى من أقوال المؤرخين بحسب علمي، وهذا ما مشت عليه الموسوعة الحديثة للسيرة النبوية التي صدرت عن بعض الدور العلمية في الرياض..
وإنما كان طريق النبي صلى الله عليه وسلم عن طريق وادي إبراهيم عبر البطحاء ثم الأبطح ثم منى ثم وادي المفجر.. كما ستشاهده في الخارطة..
وقد كان اجتماع الحبيب الأعظم صلى الله عليه وعلى آله وسلم مع الصديق رضي الله عنه عند بئر ميمون الحضرمي، وبئر ميمون الحضرمي هو من المواقع شبه المتواترة المعروفة في مكة المكرمة ويقع على طريق حج الأنبياء عليهم السلام قريبا من جبل المنحنى.
وينبغي أن نفهم هنا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم اجتمع بأبي بكر في بيت أبي بكر في وقت الظهيرة كما روى البخاري ثم رجع لبيته ثم كان الانطلاق قبيل الفجر وليس في النهار عندما اجتمع الكفار في الليل عند الباب لقتله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وقدر روى الإمام أحمد وغيره خبر اجتماع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بسند صحيح.
ولفظ الإمام أحمد
وَشَرَى عَلِيٌّ نَفْسَهُ لَبِسَ ثَوْبَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ نَامَ مَكَانَهُ قَالَ وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَرْمُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَعَلِيٌّ نَائِمٌ قَالَ وَأَبُو بَكْرٍ يَحْسَبُ أَنَّهُ نَبِيُّ اللَّهِ قَالَ فَقَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ قَالَ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ انْطَلَقَ نَحْوَ بِئْرِ مَيْمُونٍ فَأَدْرِكْهُ قَالَ فَانْطَلَقَ أَبُو بَكْرٍ فَدَخَلَ مَعَهُ الْغَارَ. مسند الإمام أحمد (4/ 174).
ولفظ الحاكم في المستدرك: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما : وَشَرَى عَلِيٌّ نَفْسَهُ ، فَلَبِسَ ثَوْبَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ نَامَ فِي مَكَانِهِ ، قَالَ : ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَرْمُونَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَعَلِيٌّ نَائِمٌ ، قَالَ : وَأَبُو بَكْرٍ يَحْسَبُ أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : فَقَالَ : يَا نَبِيَّ اللهِ ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ : إِنَّ نَبِيَّ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِ انْطَلَقَ نَحْوَ بِئْرِ مَيْمُونٍ فَأَدْرَكَهُ ، قَالَ : فَانْطَلَقَ أَبُو بَكْرٍ فَدَخَلَ مَعَهُ الْغَارَ. المستدرك للحاكم (3/ 133).
وأما ما رواه الأزرقي في أخبار مكة للأزرقي (2/ 204) عن بعض الرواة أنه قال: (( كَانَتْ طَرِيقُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حِرَاءٍ إِلَى ثَوْرٍ فِي شِعْبِ الرَّخَمِ عَلَى الثَّنِيَّةِ الَّتِي تَخْرُجُ عَلَى بِئْرِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيِّ الَّتِي بَيْنَ مَأْزِمَيْ مِنًى، يُقَالُ لَهُا الْقَسْرِيَّةُ، وَهِيَ الثَّنِيَّةُ الَّتِي عَنْ يَسَارِ الذَّاهِبِ إِلَى مِنًى مِنْ مَكَّةَ، ثُمَّ سَلَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الشِّعْبِ الَّذِي بَنَى ابْنُ شَيْحَانَ سِقَايَةً بِفُوَّهَتِهِ، ثُمَّ فِي الثَّنِيَّةِ الَّتِي تَخْرُجُ عَلَى الْمَفْجَرِ..))
ومن فضل الله تعالى علي كنت أول الباحثين الذي رسموا مسار النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بين بيته الكريم وغار ثور
وإليك المخطط.
وسبب الخلل من توهم بعض الباحثين أن البداية كانت من بيت أبي بكر هو الاختصار الموهم في رواية البخاري ولفظها: ((قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: فَجَهَّزْنَاهُمَا أَحَثَّ الجِهَازِ ، وَصَنَعْنَا لَهُمَا سُفْرَةً فِي جِرَابٍ ، فَقَطَعَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ قِطْعَةً مِنْ نِطَاقِهَا ، فَرَبَطَتْ بِهِ عَلَى فَمِ الجِرَابِ ، فَبِذَلِكَ سُمِّيَتْ ذَاتَ النِّطَاقِ, قَالَتْ : ثُمَّ لَحِقَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ بِغَارٍ فِي جَبَلِ ثَوْرٍ ، فَكَمَنَا فِيهِ ثَلاَثَ لَيَالٍ)). صحيح البخاري رقم3905.
فهذه الرواية فيها اختصار مخل بإهمال بعض الأحداث وأن الهجرة انطلقت من بيت النبي صلى الله عليه وسلم كما قال أهل السير، ومن هذه النصوص.
قال ابن سعد: ((وأمر عليا أن يبيت في مضجعه تلك الليلة. فبات فيه علي وتغشى بردا أحمر حضرميا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينام فيه. واجتمع أولئك النفر من قريش يتطلعون من صير الباب ويرصدونه يريدون ثيابه ويأتمرون أيهم يحمل على المضطجع صاحب الفراش. فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليهم وهم جلوس على الباب. فأخذ حفنة من البطحاء فجعل يذرها على رؤوسهم ويتلو: «يس والقرآن الحكيم» يس: 1- 2. حتى بلغ: «وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون» يس: 10. ومضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال قائل لهم: ما تنتظرون؟ قالوا: محمدا. قال: خبتم وخسرتم. قد والله مر بكم وذر على رؤوسكم التراب)). الطبقات الكبرى (1/ 176)
وقال الصالحي: ((أتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه، وأخبره بمكر القوم وإذن الله تعالى له بالخروج. فلما كانت العتمة من الليل اجتمعوا على بابه يرصدونه متى ينام فيثبون عليه، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانهم قال لعلي بن أبي طالب: «نم على فراشي وتسجّ ببردي هذا الحضرميّ الأخضر فنم فيه فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم» وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام في برده ذلك إذا نام...
وأخذ الله عز وجل على أبصارهم عنه فلا يرونه فجعل يذري ذلك التراب على رؤوسهم وهو يتلو هذه الآيات: يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ إلى قوله تعالى: فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [يس: 1- 9] فلم يبق منهم رجل إلا وقد وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأسه ترابا، ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب.
فأتاهم آت ممن لم يكن معهم فقال: «ما تنتظرون ههنا» ؟ قالوا: «محمدا» . قال: «خيّبكم الله، قد والله خرج عليكم محمد ثم ما ترك منكم رجلا إلا وقد وضع على رأسه ترابا وانطلق لحاجته، أفما ترون ما بكم» ؟ قال: «فوضع كل رجل منهم يده على رأسه فإذا عليه تراب» ، ثم جعلوا يتطلعون فيرون عليا على الفراش متسجّيا ببرد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقولون: والله إن هذا لمحمد نائما عليه برده. فلم يزالوا كذلك حتى أصبحوا. فقام علي رضي الله عنه من الفراش.
فقالوا: «والله لقد صدقنا الذي كان حدّثناه». وذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غار ثور.
سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد (3/ 233).
وكتبه الدكتور نزار محمود قاسم الشيخ غفر الله له ولوالديه.