تقع قرية شننّي بالجنوب التّونسيّ على نحو تسعة عشر كيلومترا جنوب مدينة تطاوين ، وهي قرية تنتمي إلى مجموعة القرى الجبلية القديمة الشّاهدة على قدم الحضارة الإنسانيّة بهذه الرّبوع ، و تنفرد شننّي بخاصيّة لا توجد بغيرها من القرى المجاورة مثل " قرماسه " و" الدّويرات " وغيرها ... بأنها قرية مازالت تنبض بالحياة ، فرغم إغراءات القرية البديل (شنني الجديدة ) التي توفّرت فيها مرافق كثيرة فإنّ الكثيرين من أهل
هذه القرية أصرّوا على البقاء بقريتهم القديمة مفضّلين حياة " الغار" المنحوت بالجبل على حياة " الفيلاّ " العصريّة والمساكن المشيّدة بالآجرّ و الإسمنت ... و بقيت شننّي صامدة رغم توالي العصور شامخة شموخ أهلها المتعلّقين بعاداتهم و تقاليدهم أشدّ ما يكون التعلّق ... و بقي معمار شنني شاهدا على نمط عيش أهل شننّي : قصر شامخ يتربّع على رأس الجبل تصطفّ به مئات الغرف ممتطية صهوات بعضها البعض في تناسق بديع تطلّ نوافذها و أبوابها الضيّقة على السّفح عيونا تراقب " العُـقْـلَة" و ترصد في يقظة و حزم حركة العابرين على امتداد البصر من كلّ الجهات ... وتحت القصر و على امتداد الحِفـَـفِ غيران نحتت في الصّخر لتشكّل عقدا من المساكن المتجاورة تنزل سطورها إلى أسفل الجبل حيث تنبسط الأرض قليلا على حافة الوادي العميق ...و تربط بين الغيران مسالك ضيّقة صاعدة حينا نازلة حينا آخر أو ملتوية أو مستقيمة بحسب ما تقتضيه الحاجة... توصل كلّ ساكن إلى " غار " تتقدّمه رحبة مشرقة تفضي إلى داخل أحكم تنظيمه ووزعت أجزاؤه بين أقبية ومخادع و فضاءات أخرى بحسب ظروف كلّ عائلة ، مما يجعل من الغار فضاء يطيب فيه العيش و يحلو به المقام : دافئ شتاؤه بارد صيفه معتدل ربيعه و قد كيّفته الطّبيعة بإحكام